فصل: تفسير الآيات (17- 20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (14- 16):

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}

.شرح الكلمات:

{لَقُوا}: اللقاء: والملاقاة: المواجهة وجهاً لوجه.
{آمنوا}: الإيمان الشرعي: التصديق بالله وبكل ما جاء به رسول الله عن الله، وأهله هم المؤمنون بحق.
{خلوا}: الخلُو بالشيء: الانفراد به.
{شياطينهم}: الشيطان كل بعيد عن الخير قريب من الشر يفسد ولا يصلح من إنسان أو جان والمراد بهم هنا رؤساؤهم في الشر والفساد.
{مستهزئون}: الاستهزاء: الاستخفاف والاستسخار بالمرء.
الطغيان: مجاوزة الحد في الأمر والإسراف فيه.
الْعَمَه: للقلب كالعمى للبصر: عدم الرؤية وما ينتج عنه من الحيرة والضلال.
{اشتروا}: استبدلوا بالهدى الضلالة أي تركوا الإيمان وأخذوا الكفر.
{تجارتهم}: التجارة: دفع رأس مال لشراء ما يربح إذا باعه، والمنافقون هنا دفعوا رأس مالهم وهو الإِيمان لشراء الكفر آملين أن يربحوا عزاً وغنى في الدنيا فخسروا ولم يربحوا إذ ذُلوا وعذبوا وافتقروا بكفرهم.
{المهتدى}: السالك سبيلاً قاصدة تصل به إلى ما يريده في أقرب وقت وبلا عناء والضال خلاف المهتدى وهو السالك سبيلا غير قاصدة فلا تصل به إلى مراده حتى يهلك قبل الوصول.

.معنى الآيات:

ما زالت الآيات تخبرُ عن المنافقين وتصف أحواله إذا أخبر تعالى عنهم في الآية الأولى أنهم لنفاقهم وخبثهم إذا لقوا الذين آمنوا في مكان ما أخبروهم بأنهم مؤمنون بالله والرسول وما جاء به من الدين، وإذا انفردوا برؤسائهم في الفتنة والضلالة فلاموهم، عما ادّعوه من الإِيمان قالوا لهم إنا معكم على دنيكم وَمَا آمنا أبداً. وإنما أظهرنا الإِيمان استهزاءً وسخرية بمحمد وأصحابه.
كما أخبر في الآية الثانية أنه تعالى يستهزئ بهم معالمة لهم بالمثل جزاء وفاقاً ويزيدهم حسب سنته في أن السيئة تلد سيئة في طغيانهم لتزداد حيرتهم واضطراب نفوسهم وضلال عقولهم. كما أخبر في الآية أن أولئك البعداء في لضلال قد استبدلوا الإيمان بالكفر ولإِخلاص بالنفاق فلذلك لا تربح تجارتهم ولا يهتدون إلى سبيل ربح أو نُجْح محال.

.من هداية الآيات:

1- التنديد بالمنافقين والتحذير من سلوكهم في مُلاَقَاتِهِمْ هذا بوجه وهذا بوجه آخر وفي الحديث: شراركم ذو الوجهين.
2- إن من الناس شياطين يدعون إلى الكفر والمعاصي، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
3- بيان نقم الله، وإنزالها بأعدائه عز وجل.

.تفسير الآيات (17- 20):

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}

.شرح الكلمات:

{مثلهم}: صفتهم وحالهم.
{استوقد}: أوقد ناراً.
{صمٌ بكم عميٌ}: لا يسمعون ولا ينطقون ولا يبصرون.
{الصيّب}: المطر.
{الظلمات}: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر.
{الرعد}: الصوت القاصف يُسمع حال تراكم السحاب ونزول المطر.
{البرق}: ما يلمع من نور حال تراكم السحاب ونزول المطر.
{الصواعق}: جمع صاعقة: نار هائلة تنزل أثناء قصف الرعد ولمعان البرق يصيب الله تعالى بها من يشاء.
{حَذَرَ الموت}: توقيا للموت.
{محيط}: المحيط المكتنف للشيء من جميع جهاته.
{يكاد}: يقرب.
{يخطف}: يأخذه بسرعة.
{أبصارهم}: جمع بصر وهو العين المبصرة.

.معنى الآيات:

مثل هؤلاء المنافقين فيما يظهرون من الإيمان مع ما هم مبطنون من الكفر كمثل من أوقد ناراً للاستضاءة بها فلما أضاءت لهم منا حولهم وانتفعوا بها أدنى انتفاع ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. لأنهم بإيمانهم الظاهر صانوا دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم من القتل والسبي وبما يضمرون من الكفر إذا ماتوا عليه يدخلون النار فيخسرون كل شيء حتى أنفسهم هذا المثل تضمنته الآية الأولى (17) وأما الآية الثانية (18) فهي إخبار عن أولئك المنافقين بأنهم قد فقدوا كل استعداد للاهتداء فلا آذانهم تسمع صوت الحق ولا ألسنتهم تنطق به ولا أعينهم تبصر آثاره وذلك لتوغلهم في الفساد فلذا هم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان بحال من الأحوال. وأما الآية الثالثة والرابعة (19) (20) فهما تتضمنان مثلا آخر لهؤلاء المنافقين. وصورة المثل العجيبة والمنطقية على حالهم هي مَطر غزير في ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف وهم في وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعون صوت الصواعق حذراً أن تنخلع قلوبهم فيموتوا، ولم يجدوا مفراً ولا مهرباً لأن الله تعالى محيط بهم هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه وإذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيارى خائفين، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لأنه تعالى على كل شيء قدير هذه حال أولئك المنافقين والقرآن ينزل بذكر الكفر وهو ظلمات وبذكر الوعيد وهو كالصواعق والرعد وبالحجج والبينات وهي كالبرق في قوة الإضاءة، وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم وإزاحة الستار عنهم فيؤخذوا، فإذا نزل بآية لا تشير إليهم ولا تتعرض بهم مشوا في إيمانهم الظاهر. وإذا نزل بآيات فيها التنديد بباطلهم وما هم عليه وقفوا حائرين لا يتقدمون ولا يتأخرون ولو شاء الله أخذ أسماعهم وأبصارهم لفعل لأنهم لذلك أهل وهو على كل شيء قدير.

.من هداية هذه الآيات ما يلي:

1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان.
2- خيبة سعى أهل الباطل وسوء عاقبة أمرهم.
3- القرآن تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بماء المطر.
4- شر الكفار المنافقون.

.تفسير الآيات (21- 22):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}

.شرح الكلمات:

{الناس}: لفظ جمع لا مفرد له من لفظه، واحده إنسان.
{اعبدوا}: أطيعوا بالإيمان والامتثال للأمر والنهى مع غاية الحب لله والتعظيم.
{ربكم}: خالقكم ومالك أمركم وإلهكم الحق.
{خلقكم}: أوجدكم من العدم بتقدير عظيم.
{تتقون}: تتخذون وقاية تحفظكم من الله، وذلك بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصي.
{فراشا}: وطاء للجلوس عليها والنوم فوقها.
{بناءً}: مَبْنيّة للجلوس عليها والنوم فوقها.
{الثمرات}: جمع ثمرة وهو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضر وتخرجه الأشجار من فواكه.
{رزقا لكم}: قوتا لكم تقتاتون به فتحفظ حياتكم إلى أجلها.
{أنداداً}: جمع ندّ: النظير والمثيل تعبدونه دون الله أو مع الله تضادون به الرب تبارك وتعالى.

.المناسبة ومعنى الآيتين:

وَجْه المناسبة أنه تعالى لما ذكر المؤمنين المفلحين، والكافرين الخاسرين ذكر المنافقين وهم بين المؤمنين الصادقين والكافرين الخاسرين ثم على طريقة الالتفات نادى الجميع بعنوان الناس ليكون نداء عاما للبشرية جمعاء في كل مكان وزمان وأمرهم بعبادته ليقوا أنفسهم من الخسران. معرفاً لهم نفسه ليعرفوه بصفات الجلال والكمال فيكون ذلك أَدعى لاستجابتهم له فيعبدونه عبادة تنجيهم من عذابه وتكسبهم رضاه وجنته، وختم نداءه لهم بتنبيههم عن اتخاذ شركاء له يعبدونهم معه مع علمهم أنهم لا يستحقون العبادة لعجزهم عن نفعهم أو ضرهم.

.من هداية الآيتين:

1- وجوب عبادة الله تعالى، إذ هي عله الحياة كلها.
2- وجوب معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.
3- تحريم الشرك صغيره وكبيره ظاهره وخفيه.

.تفسير الآيات (23- 24):

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}

.شرح الكلمات:

{الريب}: الشك مع اضطراب النفس وقلقها.
{عبدنا}: محمد صلى الله عليه وسلم.
{من مثله}: مثل القرآن ومثل محمد في أمّيته.
{شهداءكم}: أنصاركم. وآلهتكم التي تدعون أنها تشهد لكم عند الله وتشفع.
{وقودها}: ما تتقد به وتشتعل وهو الكفار والأصنام المعبودة مع الله عز وجل.
{أعدت}: هيئت وأحضرت.
{الكافرين}: الجاحدين لحق الله تعالى في العبادة له وحده المكذبين برسوله وشرعه.

.مناسبة الآية ومعناها:

لما قرر تعالى في الآية السابقة أصل الدين وهو التوحيد الذي هو عبادة الله تعالى وحده قرر في هذه الآية أصل الدين الثاني وهو نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذلك من طريق برهاني وهو إن كنتم في شك من القرآن إلى أنزلناه على عبدنا رسولنا محمد فاتوا بسورة من مثل سوره أو من رجل أمي مثل عبدنا في أميته فإن لم تأتوا لعجزكم فقوا أنفسكم من النار بالإيمان بالوحي الإلهي وعبادة الله تعالى بما شرع فيه.

.من هداية الآية:

1- تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات نزول القرآن عليه.
2- تأكد عجز البشر عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن الكريم لمرور ألف سنة وأربعمائة وست سنين والتحدي قائم ولم يأتوا بسورة مثل سور القرآن لقوله تعالى: {ولن تفعلوا}.
3- النار تتقى بالإيمان والعمل الصالح وفي الحديث الصحيح: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».

.تفسير الآية رقم (25):

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)}

.شرح الكلمات:

{بشر}: التبشير: الإِخبار السَّار وذلك يكون بالمحبوب للنفس.
{تجرى من تحتها}: تجرى الأنهار من خلال أشجارها وقصورها والأنهار هي أنهار الماء وأنهار اللبن وأنهار الخمر وأنهار العسل.
{وأتوا به متشابهاً}: أعطوا الثمار وقدم لهم يشبه بعضه بعضاً في اللون مختلف في الطعم.
{مطهّرة}: من دم الحيض والنفاس وسائر المعائب والنقائص.
{خالدون}: باقون فيها لا يخرجون منها أبداً.

.المناسبة والمعنى:

لما ذكر تعالى النار وأهلها ناسب أن يذكر الجنة وأهلها ليتم الترهيب والترغيب وهما أداة الهداية والإصلاح.
في هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى رسوله أن يبشر المؤمنين المستقيمين بما رزقهم من جنات من تحتها الأنهار لهم فيها أزواج مطهرات نقيات من كل أذى وقذر وهم فيها خالدون. كما أخبر عنهم بأنهم إذا قدم لهم أنواع الثمار المختلفون قالوا هذا الذي رزقنا مثله في الدنيا. كما أخبر تعالى أنهم أوتوه متشابها في اللون غير متشابه في الطعم زيادة في حسنه وكماله. وعظيم الالتذاذ به.

.من هداية الآية:

1- فضل الإيمان والعمل الصالح إذ بهما كان النعيم المذكور في الآية لأصحابهما.
2- تشويق المؤمنين إلى دار السلام، وما فيها من نعيم مقيم ليزدادوا رغبة فيهما وعملا لها.
بفعل الخيرات وترك المنكرات.

.تفسير الآيات (26- 27):

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}

.شرح الكلمات:

{لا يستحيى}: لا يمنعه الحياء من ضرب الأمثال وإن صغرت كالبعوضة أو أصغر منها كجناحها.
{أن يضرب مثلاً}: أن يجعل شيئاً مثلا لآخر يكشف عن صفته وحاله في القبح أو الحسن.
{ما بعوضة}: ما نكرة بمعنى شيء أيّ شيء كان يجعله مثلاً، أو زائدة. وبعوضة المفعول الثاني. البعوضة واحدة البعوض وهو صغار البق.
{الحق}: الواجب الثبوت الذي يحيل العقل عدم وجوده.
{الفاسقون}: الفسق الخروج عن الطاعة، والفاسقون: هم التاركون لأمر الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح، وبترك الشرك والمعاصي.
{ينقضون}: النقض الحلّ بعد الإبرام.
{عهد الله}: ما عهد به إلى الناس من الإيمان والطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
{من بعد ميثاقه} من بعد إبرامه وتوثيقه بالحلف أو الإِشهاد عليه.
{يقطعون ما أمر الله به أن يوصل}: من إدامة الإِيمان والتوحيد والطاعة وصلة الأرحام.
{يفسدون في الأرض}: الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.
{الخاسرون}: الكاملون في الخسران بحث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

.سبب النزول والمعاني:

لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين الناري والمائي قال المنافقون: الله أعلى وأجل أن يضرب هذا المثل فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله: {إن الله لا يستحى} الآية.
فأخبر تعالى أن لا يمنعه الاستحياء أن يجعل مثلا بعوضة فما دونها فضلا عما هو أكبر. ون الناس حيال ما يضرب الله من أمثال قسمان مؤمنون فيعلمون أنه الحق من ربهم. وكافرون: فينكرونها ويقولون كالمعترضين: ماذا أراد الله بهذا مثلا!؟.
كما أخبر تعالى أن ما يضرب من مثل يهدى به كثيراً من الناس ويضل به كثيرا، وانه لا يضل به إلا الفاسقين الذين وصفهم بقوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض}. وحكم عليهم بالخسران التام يوم القيامة فقال: {أُولئكَ هُمْ الخَاسِرُون}

.من هداية الآيتين ما يلي:

1- أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من فعل المعروف وقوله والأمر به.
2- يستحسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الاذهان.
3- إذا أنزل الله خيراً من هدى وغيره ويزداد به المؤمنون هدى وخيراً، ويزداد به الكافرون ضلالاً وشرا، وذلك لاستعداد الفريقين النفسي المختلف.
4- التحذير من الفسق وما يستتبعه من نقض العهد، وقطع الخير، ومنع المعروف.

.تفسير الآيات (28- 29):

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}

.شرح الكلمات:

{كيف تكفرون بالله}: الاستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ. لعدم وجود مقتض للكفر.
{وكنتم أمواتاً فأحياكم}: هذا برهان على بطلان كفرهم، إذ كيف يكفر العبد ربه وهو الذي خلقه بعد أن لم يك شيئا.
{ثم يميتكم ثم يحييكم}: إن إماتة الحي وإحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته.
{ثم إليه ترجعون}: يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر.
{خلق لكم ما في الأرض جميعاً}: أي أوجد ما أوجده من خيرات الأرض كل ذلك لأجلكم كي تنتفعوا به في حياتكم.
{ثم استوى إلى السماء}: علا وارتفع قهرا لها فكونها سبع سماوات.
{فسواهن}: أتمّ خلقهن سبع سماوات تامات.
{وهو بكل شيء عليم}: إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وتدليل على قدرته وعلمه ووجوب عبادته.

.معنى الآيتين:

ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً، {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} الآية.
وذكر من أدلة وُجوده وكرمه. ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور وصاحبه من أحط الخلائق وأسوأهم حالا ومالا. فمن أدلة وجوده الإحياء بعد الموت والإِماتة بعد الإِحياء ومن أدلة كرمه وقدرته أن خلق الناس في الأرض جميعا لتوقف حياتهم عليه وخلق السموات السبع، وهو مع ذلك كله علمه محيط بكل شيء سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.

.من هداية الآيتين:

1- إنكار الكفر بالله تعالى.
2- إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته.
3- حلّية كل ما في الأرض من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب إلا ما حرمه الدليل الخاص من الكتاب أو السنة لقوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعا}.

.تفسير الآية رقم (30):

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}

.شرح الكلمات:

{الملائكة}: جمع مَلأْك ويخفف فيقال مَلَك وهم خلق من عالم الغيب أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلقهم من نور.
{الخليفة}: من يخلف غيره، والمراد به هنا آدم عليه السلام.
{يفسد فيها}: الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.
{يسفك}: يسيل الدماء بالقَتْلِ وَالجَرْحِ.
{نسبح بحمدك}: نقول سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق بالله تعالى.
{ونقدس لك}: فننزهك عما لا يليق بك. والتقديس: التطهير والبعد عما لا ينبغي. واللام في لك زائدة لتقوية المعنى إذ فعل قدس يتعدى بنفسه يقال قدّسَه.

.معنى الآية:

يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة يخلفه في إجراء أحكامه في الأرض، وان الملائكة تساءلت متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد في الأرض بالكفر والمعاصي قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه.
فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الْحِكم والمصالح ما لا يعلمون.
والمراد من هذا التذكير: المزيد من ذكر الأدلة الدالة على جود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للإيمان به تعالى ولعبادته دون غيره.

.من هداية الآية:

1- سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم.
2- عدم انتهار السائل وإجابته أو صرفه بلطف.
3- معرفة بدء الخلق.
4- شرف آدم وفضله.